عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
288
اللباب في علوم الكتاب
والقول الثاني : أن هذا الحكم صار منسوخا . واختلفوا في ناسخه : فقال الجبائي : إن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله تعالى : « فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ » « 1 » ، « وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ » « 2 » . قال المحققون : هذان الوجهان ضعيفان ، أما قول الجبائي فلأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ، وأيضا فالإجماع الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة ، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر وعلي ، فكيف يصح ؟ وأما قوله : « فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ » فلا يصلح أن يكون ناسخا ، لأنه لا بد من أن يشترط فيه ألا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما « 3 » . ولقائل أن يقول : لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمنين ، كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ ، وأن للزنا تأثيرا في الفرقة ما ليس لغيره « 4 » ، ألا ترى أنه إذا قذفها يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه ؟ ولا يجب مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد ، ولأن الزنا يورث العار ، ويؤثر في الفراش ، ففارق غيره . واحتج من ادعى النسخ بأن رجلا سأل النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « يا رسول اللّه إن امرأتي لا تردّ يد لامس » ، قال : « طلّقها » . قال : « إني أحبها ، وهي جميلة » ، قال : « استمتع بها » . وفي رواية : « فأمسكها إذن » « 5 » . وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنا وحرص أن يجمع بينهما ، فأبى الغلام . وبأن ابن عباس سئل عن رجل زنا بامرأة فهل له أن يتزوجها ؟ فأجازه ابن عباس ، وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه . وعن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنه سئل عن ذلك فقال : « أوّله سفاح وآخره نكاح ، والحرام لا يحرّم الحلال » . الوجه الرابع : أن يحمل النكاح على الوطء ، والمعنى : أن الزاني لا يطأ حين يزني إلا زانية أو مشركة ، وكذا الزانية « وحرّم ذلك على المؤمنين » أي : وحرم الزنا على المؤمنين ، وهذا تأويل أبي مسلم ، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم ، ورواية الوالبي « 6 » عن ابن عباس « 7 » .
--> ( 1 ) [ النساء : 3 ] . ( 2 ) [ النور : 32 ] . ( 3 ) في ب : أو غيرها . وهو تحريف . ( 4 ) في ب : في غيره . ( 5 ) . أخرجه أبو داود ( نكاح ) 2 / 541 - 542 ، النسائي ( نكاح ) 6 / 67 ، ( طلاق ) 6 / 17 . ( 6 ) هو علي بن ربيعة بن نضلة الوالبي ، أبو المغيرة الكوفي ، أخذ عن علي وسلمان وأخذ عنه الحكم وأبو إسحاق . خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 2 / 248 . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 150 - 152 .